مليون معاق في العراق | تحقيقات
تحقيقات
مليون معاق في العراق
   مليون معاق في العراق

                                               

مقولة «لكل مواطن لغم» مقولة عراقية بامتياز منذ الحرب العراقية- الايرانية الاولى في اواخر سبعينيات القرن الفائت. والألغام المزروعة في طول العراق وعرضه لا تستأذن احدا عندما تنفجر، وعدد المعاقين يتزايد يوماً بعد يوم. عراق اليوم يضم اكثر من مليون معاق والاهتمام الرسمي بالمشكلة لم يرق حتى الآن الى مستوى الحاجات الحقيقية.لا يمر شهر على اقليم كردستان من دون ان ينضم شخصان او اكثر الى قائمة المعاقين الطويلة، التي تزداد طولا مع انفجار الالغام الفردية. العدد ذاته واكثر يتكرر في جنوب العراق وتحديداً في محافظتي البصرة وميسان، ناهيك عن بقية المحافظات وصولاً الى بغداد التي وصل عدد ضحايا الالغام فيها الى 14 ألفاً في السنوات الاخيرة، فضلاً عن المعاقين الذين باتوا يشكلون عبئاً اجتماعياً ثقيلاً.مسؤول في «المنظمة العراقية لازالة الالغام» اكد ان في العراق اكثر من 25 مليون لغم ارضي، لا تدخل في عدادها القنابل العنقودية. والقنابل غير المنفجرة، وهذا يعني وجود لغم او قنبلة لكل مواطن، يضيف: ليس هناك  احصائية بشأن عدد المعاقين، والامر من شأن وزارتي التخطيط والصحة، و من جانبنا بدأنا مؤخرا بتخصيص جزء من نشاطنا بكوننا منظمة انسانية شبه حكومية تعنى برعاية معاقي الالغام وتأمين بعض حاجاتهم من لوازم حياتية واطراف صناعية ومعونات مالية.وأضاف:  في الآونة الاخيرة صدرت تعليمات يفترض ان تسير عليها الجهات الحكومية وغير الحكومية لاجراء كشوفات على الارض المقرر اقامة مشروع صناعي او زراعي عليها خوفا من وجود الغام فيها، ومعظم الاراضي العراقية ملغومة، كما ان المنظمة الآن بدأت اتلاف الاسلحة القديمة لأنها احد اسباب الاعاقة.المصادر الحكومية تعتبر البصرة اكبر مدينة حاوية على حقول الالغام وقنابل غير منفجرة وان ازالتها تعد من المعضلات المعقدة، لأن المعاقين الذين حصدتهم تلك الحقول يشكلون مشكلة انسانية كبيرة. فالمعاقون يواجهون الحياة بصعوبة بالغة، وخصوصاً الاطفال منهم الذين تقف الاعاقة في طريق مستقبلهم إضافة الى تعرضهم لاضطرابات نفسية باتت تهدد علاقاتهم الاسرية.وفي البصرة بات المعاقون جزءاً من المشهد اليومي للمدينة ومعظمهم يعيش في ظروف صحية ومعيشية سيئة، فيما يمتهن آخرون الاستجداء عند اشارات المرور وفي الأماكن المكتظة، ويصر آخرون على ان يمارسوا مهنة تتناسب ودرجة الإعاقة، منهم من يزحف على يديه لفقدانه اطرافه السفلى، ومنهم من تمكن من التنقل بواسطة عربة خاصة بالمعاقين.«مجلة الأسبوعية» استعانت بوزارة التخطيط لتحديد عدد المعاقين، وهنا أكدت الوزارة ان آخر إحصائية رسمية بهذا الصدد اجريت في العراق تعود الى العام 1998، وخلال فترة شهر من الان ستصدر احصائية رسمية اخرى بعدما حرص جهاز الاحصاء وطيلة الفترة الماضية على اجراء مسح شامل للوقوف على الاعداد الحقيقية، نافية ان تكون أي جهة اخرى تمتلك أرقاماً دقيقة بشأن المعاقين.ومنظمة المعاقين الدولية بالتعاون مع وزارتي العمل والصحة اعدت دراسة بينت فيها ان عدد المعاقين في العراق وصل الى اكثر من مليون معاق، مشيرة إلى أن شدة اعاقتهم تتراوح بين العجز الكلي والجزئي. وتؤكد الدراسة حجم المأساة التي يمر بها العراق جراء أعمال العنف والتفجيرات اليومية التي شهدها خلال الاعوام الماضية، وتذكر ان هناك معاقا واحدا من بين كل 25 عراقيا في بلد يبلغ تعداد سكانه نحو 28 مليون نسمة.وتحدد الدراسة عدد المعاقين العراقيين المنتسبين إلى هيئة رعاية معوقي الحرب بـ 43600 معاق بينهم 5600 من ذوي العجز الكلي، فيما يبلغ عدد المعوقين مبتوري الاعضاء 100 الف وعدد المكفوفين أكثر من 100 الف في حين يقدر عدد المهددين بالعمى وضعف البصر بنحو 205  آلاف. وتشير التقارير التي اعدتها منظمات انسانية محلية الى ان الكثير من المعاقين يعانون من اضطرابات نفسية، وانهم يجدون انفسهم فجأة وقد تحولوا الى عالة على عائلاتهم بعدما كانوا هم الذين يعيلونها.

اكثر من مليون

المسؤول عن قسم التأهيل في وزارة الصحة جاسب لطيف يوضح ان عدد المعاقين في العراق يزيد على المليون معاق بسبب الحروب واعمال العنف الأخيرة، وان الوزارة وفرت عشرات الآلاف من الاطراف الصناعية في الاعوام القليلة الماضية، فضلا عن عمليات التأهيل الطبي والنفسي والمجتمعي مما قاد إلى زيادة قابلية الفرد المعاق على تأمين متطلبات حياته، فيما اشارت تصريحات اخرى لوزارة الصحة الى وجود زيادة ملفتة للنظر في اعداد المعاقين بعد العام 2003، بلغت 30%.رئيس جمعية المعاقين العراقية موفق الخفاجي أكد في آخر تقرير اعدته الجمعية انها تقدم بعض المساعدات لنحو 60 الف معاق تشتمل على تقديم خدمات لحالات الاعاقة الجسدية الشديدة فقط ولا يمكنها توسيع دائرة الرعاية للمعاقين الآخرين بسبب قلة الدعم سواء الحكومي ام من المنظمات الدولية. واعرب اسماعيل كاطع (55 عاما) الذي بترت ساقه بلغم، عن حلمه بأن يمارس اعماله اليومية بساقين كسائر الناس» ملقيا باللوم على الحروب التي حولته الى نصف انسان.وقال: لقد بترت ساقي وثلاثة من اصابع يدي في انفجار لغم ارضي اثناء مشاركتي في الاعمال الزراعية في منطقة الزبير، الأمر الذي جعلني عاجزاً عن ممارسة العمل. مطالبا الحكومة العراقية التي يقول انها لا تهتم بشريحة مبتوري الاطراف بتعويض مالي يتيح له العيش بكرامة.ابراهيم احمد خليل بائع السجائر في منطقة التنومة شرقي البصرة الذي فقد احدى ساقيه نتيجة انفجار لغم اثناء رعيه الاغنام في منطقته القريبة من الحدود العراقية- الايرانية وصف وضعه بانه  قصة لا تنتهي، وأضاف: اضطررت بعد شفائي، للعمل بما يتناسب وقدرتي الجسدية علماً  ان راتب الرعاية الاجتماعية البالغ 70 الف دينار (مايعادل 60 دولاراً) لا يكفي لمعيشة عائلته الكبيرة. وأوضح سمير علي (13 عاما)  انه اضطر الى ترك المدرسة لعدم قدرته على الكتابة باستخدام يده اليسرى بعد بتر اليمنى نتيجة انفجار جسم غريب، واضاف: كنت وزملائي في منطقة الساعي وسط البصرة نلعب كرة القدم، ولما ذهبت لجلب الكرة شاهدت جسما غريبا فلما التقطته، انفجر.ويرى الدكتور علي العلاق (اختصاص بالمفاصل والعلاج الطبيعي)  أن ضحايا الألغام لا يعانون من إعاقة بدنية مزمنة فحسب، بل من آثار نفسية ليست بالهينة، اذ ان معظمهم يعتقد أنه أصبح غير قادر على أي شيء، أو يشعر أنه تحول إلى عالة على الجميع، وهو  يصاب بالاكتئاب واليأس ويفقد الأمل بمستقبله.وعن دور مراكز صناعة الاطراف الصناعية في المستشفيات العامة في تخفيف معاناة المعاقين، قال الدكتور العلاق: في البصرة مركز وهو واحد من ثمانية مراكز موزعة على المحافظات التي تعرضت جميعها عقب الحرب الاخيرة الى أعمال النهب مما تسبب في نقص كبير في المواد التي تصنع منها الاطراف الصناعية مثل الراتينج الصمغية والبوليبروبيلين التي تصنع منها الطبقات الخارجية والاجزاء الرقيقة التي تصنع منها المفاصل، كما دمرت معامل التصنيع التي تعد تجهيزاتها من المواد الباهظة الثمن مشددا على استمرار المركز في تقديم خدماته ولو بالحد الادنى، ولو أن هذه التقديمات باتت متخلفة قياسا الى التطور الذي شهدته صناعة الاطراف في العديد من دول العالم.وقال العلاق: ان احجام المنظمات الدولية عن دعوة الشركات المصنعة للالغام والتي تجني من وراء تسويق تجارة الموت هذه مئات المليارات عن المساهمة في تمويل معالجة ضحاياها من المعاقين وتعويض ذوي الضحايا بسببها، أمر يدعو الى الاستغراب.من جهته اكد المهندس محمود الشيخ راضي وزير العمل والشؤون الاجتماعية ان وزارته عازمة على تذليل كافة الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تعاني منها شريحة المعاقين. وأضاف ان العمل مع هذه الشريحة يتخطى مسألة الواجب الوظيفي للعاملين في هذا الحقل ليبلغ مرحلة العمل الانساني النبيل الذي يمنح المهمات الوظيفية زخماً انسانياً يبث الامل في حياة أصحاب الحاجات.ويقول وليد مظفر محمد مدير عام دائرة رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة ان دائرته حريصة على الارتقاء بالخدمات الاجتماعية والتربوية والتعليمية لذوي الحاجات الخاصة وتذليل كل الصعوبات التي تقف عائقاً امام تطوير وتأهيل المعاقين انطلاقاً من الاسرة ووصولاً الى المنظمات والمؤسسات المعنية بشؤونهم. ويضيف: ان الوزارة تحتضن الاطفال المعاقين وتمهد السبيل امام القادرين منهم على التدريب والتـأهيل المهني، وتعينهم في الجمعيات والورش الخاصة بهم بالشكل الذي يعزز الثقة بالنفس لديهم فضلاً عن ايواء الاعاقات الشديدة. ورغم استعدادات المتحدثين فان حاجات المعاقين وفق المقاييس العالمية تتجاوز بكثير حسن النيات.

 



جميع الحقوق محفوظة للتجمع الوطني العشائري المستقل © 2008