بعيداً عن السياسة
العيش في «السنوات الرهيبة» !!..
«السنوات الرهيبة» روايةٌ تتحدث عن مأساة المسلمين في شبه جزيرة القرم السوفييتية إبان الحرب العالمية الثانية.
وهي من تأليف الكاتب التتري التركي من جزيرة القرم: «جنكيز أمين حسين ضاغجي»، وترجمة: «د. محمد حـرب»، وتقع في 365 صفحة.
تدور أحداث الرواية حول وقائع عاشها «صادق طوران» بطل القصة المؤلمة، الذي كان صديقاً لكاتب الرواية، والذي استوحاها من وصيته المسطورة في دفتر مليء بأحداث «سنوات رهيبة» عاشها «صادق طوران» بنفسه.
«صادق طوران» شاب يعيش في القرم وبالتحديد في مدينة آق مسجد.. روحه، وقلبه، وعقله يفيضون بعاطفةٍ دينية وحبٍ لوطنه «القرم». يصفه كاتب الرواية فيقول: «كانت شخصيته تماثل اسمه، شخصية ذات أبعادٍ عريضة ومغزىً عميق، كان من السهل قراءة آثـار الماضي العميقة مسطورة على وجهه، وفي عينيه مسحة ألمٍ علقت به من الأعوام الماضية».
يبدأ الكاتب باستعراض مذكرات «صادق طوران» الذي يتحدث في البداية عن حياته مع عائلته المكونة من والده ووالدته وأخيه «بكر»، وأخويه الصغيرين «صبري» و«أسماء» اللذين توفيا في الحصار الروسي لجزيرة القرم.
«صادق» كان يحلم أن يكون طبيباً، لكنّ صديق الحاضر والمستقبل وصديقه في المدرسة «سليمان» أجبره على أن يرافقه إلى مدرسة الضباط، وقدرُه أيضاً أن ينتظم في مدرسة الضباط، ليدخل صفوف الجيش ثم يحارب مع «السوفييت» ضد «الألمان».
من أروع المواقف التي دوَّنها «صادق» في مذكراته - والتي دلت على صدق عاطفته الدينية - أنه كان هناك مسجدٌ مجاورٌ لمدرسة صادق التي يدْرس فيها، وهو «مسجد طوقال»، وكانت لهذا المسجد مئذنة جميلة ودقيقة، ترتفع في السماء شموخاً، ويصف «صادق» لحظات هدم المئذنة:
«نظرتُ إلى المئذنة فوجدتها تهتز.. هذا الشيء الذي كان يتزلزل أمامي كان شيئاً يحييني.. يبعث فيَّ الإحساس بالحياة! كنتُ كلما نظرت إلى المئذنة أشعر بالإيمان يغمرني، لقد كنتُ جزءاً من تلك المئذنة.. جزءاً منها بروحي! أمسكتُ سليمان بيدي المرتعشتين، لم يكن سليمان يفهمني.. ألقيتُ نظرة أخرى؛ فإذا بمئذنة «مسجد طوقال» تختفي من أمام ناظري.. سقطتِ المئذنة يا صادق، وقبلها سقط الوطن! لكن القضية لم تسقط بعدُ في قلبك».
كان صادق أسير تلك المعاني التي تحملها هذه المئذنة وتفيض بها. وانهيارها كان يعني انهيار أشياءٍ كثيرة في نفس صادق الذي لم يتعدَّ حينها السابعة عشرة من عمره!
يجري صادق في شوارع المدينة دون أن يعلم وجهته، والعرق البارد يتصبب من وجهه.. كان يفر منه إليه، وربما يفر منه إلى تلك المئذنة المهدّمة على الأرض، والقائمة في نفسه.. كان الملجأَ الوحيد الذي أسرع إليه قدما أمه.. كانت أمه تقبله وتبكي، جاهلة علّة ابنها الذي عجز حينها حتى عن البكاء!>